Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾المواريث

تقسيم أرض كبيرة بها مبنيان عند طرفيها بالمراضاة بين الورثة

السؤال: توفي والدنا رحمه الله، وترك أرضا كبيرة، لها واجهتان، رئيسة وأخرى على طريق فرعي، وفيها مبنيان للغلة، أحدهما مقدم في أول الأرض، والآخر في آخرها، وشقة واحدة تسكن فيها الزوجةُ وأحد الأبناء، وبين المبنيين أرض واسعة، وكل منّا راض بما يكون له من أرض أو بيت، ولكن الغاية أن يعرف كل منّا نصيبه، فكيف تقسم هذه التركة على الورثة حسب الفريضة الشرعية؟ هل بالمِساحة أو بالقيمة؟ وإن كانت بالقيمة كيف نفعل فيما قسمه فيه ضرر، مع عدم إمكان البيع لكساد السوق؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنّ الواجبَ على الورثةِ بمجرد وفاة الميت المبادرةُ بقسمةِ جميع التركةِ، حسبَ الفريضة الشرعية دون تأخير؛ لأن الملك من حين موت مورثهم انتقل إليهم جميعا.

والعقار يقسم بالقيمة لا بالمساحة إن اختلفت قيمة أجزائه، قال الدردير رحمه الله: "(وَقُسِمَ) ... (الْعَقَارُ وَغَيْرُهُ) ... وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِ الْمُقَوَّمَاتُ (بِالْقِيمَةِ) لَا بِالْعَدَدِ وَلَا بِالْمِسَاحَةِ حَيْثُ اخْتَلَفَتْ أَجْزَاءُ الْمَقْسُومِ فَإِنْ اتَّفَقَتْ لَمْ يَحْتَجْ لِتَقْوِيمٍ بَلْ يُقْسَمُ مِسَاحَةً" [الشرح الكبير: 3/ 501].

وتقسم التركة حسب الفريضة الشرعية، فيعطى للزوجة نصيبها أوَّلا، "قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ وَلَدًا وَامْرَأَةً وَتَرَكَ أَرْضًا وَدُورًا؟ قَالَ مَالِكٌ: تُقَسَّمُ الدُّورُ وَالْأَرْضُ أَثْمَانًا، فَيُضْرَبُ لِلْمَرْأَةِ بِثُمُنِهَا فِي إحْدَى النَّاحِيَتَيْنِ، وَيُضْرَبُ لِلْوَرَثَةِ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَلَا يُضْرَبُ لَهَا بِثُمُنِهَا وَسَطَ الْأَرْضِ وَلَا وَسَطَ الدَّارِ. قُلْتُ: وَكَيْفَ يُضْرَبُ لَهَا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ؟ قَالَ: تُقَسَّمُ الدَّارُ أَثْمَانًا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الثُّمُنَيْنِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ الَّذِي مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَاَلَّذِي مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَيُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِمَا وَلَا يُسْهَمُ إلَّا عَلَيْهِمَا، فَأَيُّ الطَّرَفَيْنِ خَرَجَ لِلْمَرْأَةِ أَخَذَتْهُ الْمَرْأَةُ وَضُمَّ مَا بَقِيَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَيُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ أَيْضًا" [المدونة: 4/ 313].

ثم ينظر إلى الباقي من التركة؛ فتقسم بين باقي الورثة حسب الفريضة، ويجمع نصيب كل واحد في جهة واحدة، قَالَ مالك رحمه الله: "وَيُجْمَعُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يُفَرَّقُ" [المدونة: 4/ 320].

وإن حصل ضرر، أو بقي جزء لا ينقسم؛ فإنه يباع، ويقسم ثمنه بينهم حسب الفريضة، ويشتريه أحد الورثة إن أمكن، فهو أولى من غيره، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ رحمه الله: "وَأَنَا أَرَى أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الدُّورِ وَالْمَنَازِلِ وَالْأَرَضِينَ وَالْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِي قِسْمَتِهِ الضَّرَرُ وَلَا يَكُونُ فِيمَا يُقْسَمُ مِنْهُ مُنْتَفَعٌ، فَأَرَى أَنْ يُبَاعَ وَيُقْسَمَ ثَمَنُهُ عَلَى الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) وَهَذَا ضَرَرٌ" [المدونة: 4/ 313]، وقال خليل رحمه الله: "وَقُدِّمَ مُشَارِكُهُ فِي السَّهْمِ... ثمّ الوارثُ" [المختصر: 194].

وهذا مبني على حصول التراضي بين الورثة، فإن حصل خلاف بين الورثة في الجهة فيُقرع عليها، فمن خرج اسمه يجمع نصيبه كاملا في جهته، قال ابن القاسم رحمه الله: "فَإِنْ تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ أَوَّلًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ الْآخَرِ أَوَّلًا، ضَرَبَ الْقَاسِمُ بِالسِّهَامِ عَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَعَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ يَخْرُجُ السَّهْمُ فَإِنَّهُ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَيَأْخُذُ سِهَامَهُمْ فَيَضْرِبُ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ" [المدونة: 4/ 320].

عليه؛ فتقسم التركة حسب الفريضة الشرعية، ويعطى نصيب الزوجة أوَّلا، ثم يقتسم باقي الورثة بقية التركة بالتراضي، فإن حصل خلاف بينهم في الناحية اقترعوا عليها، ويجمع نصيب الواحد على حدة، فإن بقي جزء لا ينقسم فإنه يباع لأحد الورثة إن أمكن، وإلا بيع بسعر السوق، وقسم ثمنه حسب الفريضة، فإن تعذر البيع كما ذكر السائل لكساد السوق فعليهم أن ينتفعوا بتأجيره إن أمكن، وإلا بقي مشتركا بينهم إلى حين البيع، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عصام بن علي الخمري

عبد الرحمن بن حسين قدوع

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

8/رجب /1447هـ

28/ 12/ 2025م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 15979