Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الليبية
🇱🇾المواريث

استغلال أحد الورثة عقارا من التركة

ورد إلى دار الإفتاء الليبية الأسئلة التالية:

توفي والدي وترك بيتا، قمنا ببيعه بعد وفاته واشترينا به بيتا آخر، وسجّلتُه باسم الوالدة؛ لتقيم فيه، وعلى أن يبقى للورثة فيما بعد، ثم توفيت الوالدة بعد أن أقامت به مدة وأسكنت معها أحد الأبناء وتزوج فيه، ونحن أربعة أولاد وثلاث بنات، ومازال هذا الابن يقيم بالبيت دون الباقين، ويرفض دفع إيجار، ويرغب باقي الورثة في القسمة، فهل من حقهم ذلك؟ ولم نتمكن من بيع العقار، ويطالب الورثة المستفيد من العقار تخليته حتى يتمكنوا من الانتفاع من العقار أو بيعه، فما الحكم في ذلك؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فإنَّ هذا البيت يعد مِن تركة الوالد -مادام أنه اشتري بثمن بيع بيته- ويدخل فيه جميع ورثته يوم وفاته، وهم الأم (زوجته) وأولاده جميعا، واستغلال أحد الورثة للبيت بالسكنى، ومنع الآخرين من قسمته والانتفاع به بتأجيره أو بيعه تعدٍّ وظلم في حكم الغصب، وأكلٌ لأموالِ الناسِ بالباطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]، ويترتب على هذا أنه يجب على الابن الساكن في البيت دفعُ إيجار ما استغله طيلة المدة الماضية لباقي الورثة، بما ينوبهم بسعر السوق في كل وقت بحسَبه، ويعامل الورثة جميعا لهذا البيت معاملة الشّريك، الذي لا يجوز له أن ينتفع من المال المشترك إلا بقدر حظّه، فإن انتفع بأكثر من حظّه فتلزمه أجرة المثل فيما زاد لبقيّة الشّركاء، قال الدّسوقي رحمه الله: "إِذَا كَانَتْ دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مَثَلاً، وَأَشْغَلَهَا أَحَدُهُمَا بِالسُّكْنَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ إنْ سَكَنَ فِي قَدْرِ حِصَّتِهِ، فَإِنْ سَكَنَ أَكْثَرَ مِنْهَا رَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ اتِّبَاعِ شَرِيكِهِ لَهُ إلاَّ هَذَا الشَّرْطُ، وَهُوَ سُكْنَاهُ قَدْرَ حِصَّتِهِ" [حاشية الدسوقي: 3/466].

عليه؛ فإن كان الحال ما ذكر، فيلزم الابن المنتفع بالبيت دفع قيمة إيجارِ ما زاد عن حظه، حسب سعر السوق في كل وقت بحسبه، ما دام المتضررُ من الورثة لم يسكتْ وطالبَ بنصيبه، أو لم يتنازلوا الآن عن حقّهم في المدةِ الماضية، ثمّ الواجب على الابن الساكن أن يمكّن باقي الورثة من بيع البيت إن أرادوا بيعه إذا لم تمكن قسمته عليهم قسمة ينتفعون بها، ويُعطَى كلُّ وارثٍ نصيبَه مِن الثّمن حسب الفريضة الشرعية، قال ابن أبي زيد رحمه الله: "وَمَا انقَسَمَ بِلَا ضَرَرَ قُسِمَ مِنْ رَبْعٍ وَعَقَارٍ، وَمَا لَمْ يَنْقَسِمْ بِغَيْرِ ضَرَرٍ فَمَنْ دَعَا إِلَى البَيْعِ أُجبَر عليه مَن أَبَاهُ" [الرسالة:136]، وقال ابن القاسم رحمه الله: "كُلُّ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الدُّورِ وَالمَنَازِلِ وَالْأَرَضِين وَالحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَكُونُ فِي قِسْمَتِهِ الضَّرَرُ، وَلَا يَكُونُ فِيمَا يُقْسَمُ مُنْهُ مُنْتَفَعٌ، فَأَرَى أَنْ يُبَاعَ وَيُقْسَمَ ثَمَنُهُ عَلَى الفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ g قَالَ: (لَا ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ)، وَهَذَا ضَرَرٌ" [المدونة: 4/313].

كما أنه يجب عليه إخلاؤه إذا لم يتأت بيعه وهو ساكن فيه، إذ بقاؤه والحالة هذه ضرر على إخوته، لمنعهم من الانتفاع بثمن البيت، والضرر بهم حرام كما تقدّم. والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لجنة الفتوى بدار الإفتاء

عبد العالي بن امحمد الجمل

عبد الرحمن بن حسين قدوع

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

01/رجب/1447هـ

22/12/2025م

المصدر: دار الإفتاء الليبية· رقم 15978