حكم الرجوع عن الهبة لأخي الميت
السؤال: ما حكم الرجوع عن الهبة لأخي الميت، بسبب إساءة حصلت من أهله؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه؛ فالهبة أو المسامحة في المال مستحبة؛ لأنها تقوي أواصر المودة والمحبة بين الناس، وتزيد من احترام بعضهم بعضاً؛ لما فيها من تأليف القلوب بين الناس، فإذا تمت الهبة بالإيجاب والقبول والقبض، فلا يجوز للواهب على الرأي الراجح أن يرجع عن هبته، لما ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من تحريم الرجوع عن الهبة في أحاديث صحيحة، منها قوله، صلى الله عليه وسلم،: "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ" [صحيح البخاري، كتاب الهبة وفضلها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته] .
وقد اختلف الفقهاء في الرجوع عن الهبة، فذهب جمع من الصحابة، والإمام أحمد إلى أن الواهب إذا أقبض هبته فليس له الرجوع فيها مطلقاً، وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى تحريم الرجوع في الهبة بعد قبضها، واستثنوا من ذلك الأب، لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا، إِلاَّ الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ...» [سنن الترمذي، كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة، وصححه الألباني]، وذهب الأحناف إلى جواز الرجوع عن الهبة إلا لذي الرحم المحرم فلا يجوز.
وعليه؛ فبما أنك تنازلت عن دينك لأخيك وسامحته فيه؛ فذلك بمثابة عهد بينك وبين الله تعالى، فلا يجوز لك الرجوع عنه، وخاصة أنك عفوت عن أخيك مختاراً.
أما عن إساءة زوجة أخيك وأولاده لك بالرغم من إحسانك إلى أخيك وإليهم، فهذا ليس لأخيك ذنب فيه، ولا يسوغ لك بسببه الرجوع عن مسامحته، والله تعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164]، وعليك أن تحتسب أجرك عند الله تعالى، ولا تقابل السيئة بالسيئة، فرسول، الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [صحيح البخاري،كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه]، والله تعالى أعلم.
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 502
