من هو الفقير المستحق للزكاة والصدقات
السؤال: كان الفقراء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملكون قوت يومهم، أما اليوم فلا أظن أن هناك شخصًا لا يملك قوت يومه وقوت أسرته، فمن هو الفقير الذي يستحق الصدقات في زماننا؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصّه أعلاه؛ فقد اختلف العلماء في تحديد مفهوم الفقير المستحق للزكاة، فذهب الحنفية إلى أن الفقير من لا يملك نصاب الزكاة، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، رضي الله عنه، لما بعثه إلى اليمن: « ... فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ...» [ صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع]، فدل الحديث على أن الناس قسمان، قسم غني وهو الذي يدفع الزكاة ويملك النصاب، وقسم فقير وهو الذي يستحق الزكاة، ولا يملك النصاب، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه المعدم الذي لا مال له ولا عمل، فعن عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيٍّ، أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ، وَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: « إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» [ مسند أحمد، مسند الشاميين، حديث رجلين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين]، فدل الحديث على أن الاكتساب مانع من استحقاق الزكاة، وإن لم يملك صاحبه نصاب الزكاة[ الحاوي الكبير 8: 491، المغني 6: 469].
ونميل إلى ترجيح القول بأن الفقير من لا مال له ولا عمل، والله تعالى أعلم.
أما المسكين؛ فهو من له عملٌ لا يفي باحتياجاته؛ كمن حاجته في عشرة دنانير، ولا يجد إلا سبعة، كما قال تعالى عن أصحاب السفينة في قصة موسى، عليه السلام: ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [ الكهف: 79]، فسماهم الله تعالى مساكين مع امتلاكهم سفينة.
وتحديد مفهوم الفقير والمسكين يؤثر في حكم استحقاق الزكاة وغيرها من الصدقات الواجبة، التي جعل الفقراء والمساكين مصرفًا لها؛ أما صدقة التطوع؛ فلا يشترط أن تعطى للفقراء فقط، بل يجوز أن تعطى للأغنياء ولذوي الحاجة.
وعليه؛ فإذا كانت هذه الصدقة تطوعًا، فيجوز أن تصرفها في أي باب من أبواب الخير، سواء للفقراء أم المساكين أم غيرهم، أما إن كانت زكاة؛ فينبغي أن تخرجها إلى المصارف الشرعية المحددة للزكاة، التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [ التوبة: 60]، وننبهك إلى أن عدم عثورك على فقراء لا يعني عدم وجودهم، ويمكن لك الوصول إليهم بالبحث عنهم، أو بالاستعانة بمن تثق بهم من أهل الخير، أو لجان الزكاة، والله تعالى أعلم.
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 734
