Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الفلسطينية
🇵🇸أحكام متنوعة

حكم التصرف في أموال الوقف وعوائده، مدى ولاية الدولة

السؤال: ماضوابط التصرف في أموال الوقف وعوائده، وما مدى ولاية الدولة عليها؟

الجواب:ُ الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛ فقد أدَّى الوقف – باعتباره أصلاً من أصول الشريعة الإسلامية، ومظهراً من مظاهر التكافل والتراحم والإحسان بين أبناء المجتمع- دوراً مهماً في حياة الأمة الإسلامية، وغدا من سماتها البارزة، ومن أبرز نظمها في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، واهتم به الفقهاء، فوضعوا له الأحكام والمعايير التي تضبط معاملاته، بهدف المحافظة على منافعه للموقوف عليهم، وفق مقاصد الوقف وشروطه.

وقد ثبت مشروعية استثمار الوقف بأدلة منها 

   ]صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف[، وحظيت مسألة استثمار الوقف في عصرنا الراهن باهتمام أهل العلم، ومجامع الفقه الإسلامي، وبذل العلماء جهداً ملموساً في البحث عن صيغ جديدة لاستثمار أموال الوقف وعائداته، مستدّلين على ذلك بمطلق الأدلة الشرعية التي تجيز استثمار المال، ومنها 

   ]صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب منه[؛ ولا ريب أن استثمار مال الوقف يحقق النفع المرجو للمستفيدين من الوقف بخاصة، وللمجتمع الإسلامي بعامة.

ومعلوم أن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ المال، ولا يتحقَّق ذلك إلا باستثماره وتنميته ضمن ضوابط شرعية، يتوجب مراعاتها والالتزام بها، ومن هذه الضوابط ما يتصل بالأموال الوقفية وعوائدها، ومنها ما يتصل بأعيان الوقف،ً بيعاً أو استبدالا.

أولاً- ضوابط التصرف بأموال الوقف وعوائده:

للتصرف بأموال الوقف وعوائده، يجب التقيد بالضوابط الشرعية الآتية:

1. الالتزام بشرط الواقف، واحترام إرادته، وضرورة الرجوع إليه، كما ورد في الحجة الوقفية، ويعدُّ هذا الضابط في رأي الفقهاء من أهم الأسس التي ينبغي على نظّار الوقف ومسؤوليه -سواء كانوا أفراداً أم جهات رسمية- الالتزام به، والتقيد بمحتواه؛ لأن شرط الواقف –كما قالوا- كنص الشارع، في النفاذ ما لم يكن منافياً لقواعد الشريعة وأحكامها ومقاصدها العامة.

2. الأخذ بالحيطة والحذر في اعتماد قرارات التصرف بالأموال الوقفية لغايات التنمية والاستثمار، وعدم تعريضها للمخاطر، وذلك بالحصول على الضمانات المشروعة، وتوثيق العقود الاستثمارية المبرمة لدى الهيئات الرسمية. 3. أن تكون عمليات التصرف بأموال الوقف وعوائده مشروعة، وطرقه مباحة.

4. المحافظة على ) الموقوف ( وصيانته، بما يحقق بقاء عائده،ً ودوام نفعه، وذلك مقدَّم في رأي الجمهور على توزيع العوائد على المستفيدين؛ لأن قصد الوقف صرف غلَّته مؤبدا، ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة )الموسوعة الفقهية الكويتية 198 /44 .( 5.ضرورة التخطيط والمتابعة والإشر اف والرقابة الداخلية، والاعتماد على الطرق الفنية والوسائل الاستثمارية الحديثة، والاسترشاد في ذلك كله بأهل الخبرة والتخصص في مجال التنمية والاستثمار.

ثانياً- ضوابط التصرف في أعيان الوقف بالبيع والاستبدال:

تباينت آراء الفقهاء في هذه المسألة بين التضييق والتوسيع،والرأي الراجح فيها- والله تعالى أعلم-: جواز الإبدال إذا تعطَّلت منفعة العين الموقوفة، وكان فيه مصلحة للموقوف عليهم، وتحقيق لمقاصد الواقفين، شرط أن يتم ذلك في ضوء دراسات الجدوى، وتقويم المشروعات الاستثمارية، من طرف أهل الخبرة والاختصاص.

ثالثاً: مدى ولاية الدولة على أموال الوقف:

فيما يتعلق بحدود ولاية الدولة على الأموال الوقفية، فينبغي التمييز بين الأوقاف الذرية والأوقاف الخيرية العامة، مع ضرورة الالتزام في كليهما بشرط الواقف، ففي حال الأوقاف العامة، فإن من حق الدولة الإشراف عليها، ورعايتها، والعناية بها، ومراقبة نظَّارها، انطلاقاً من مسؤوليتها في رعاية الشؤون العامة للأمة، ولأن الولاية على الأوقاف هي من باب الولاية العامة، على مصالح المسلمين، على أن يكون صرف ريعها والإفادة منها حسب شرط الواقف.

أما الأوقاف الذريَّة؛ فإن الضرورة تقتضي المحافظة على ولايتها الخاصة واستقلاليتها وفق ما شرطه الواقف، مع ضرورة خضوعها لإشراف الدولة، ورقابتها المستمرة عبر أجهزتها المختلفة؛ بمعنى قصر تدخل الدولة على مهمتيْ الإحاطة والرعاية، وما يعنيه ذلك من وجوب علمها بأمور الوقف وأحواله، واطلاعها على ما يجري فيه من ممارسات النظَّار، مع مراقبة أدائهم،وتوفير الحماية القانونية والخبرات الداعمة لهم، ولا شك في أن قيام الدولة بدورها الإشرافي والرقابي سيحدُّ من تجاوزات النظر الفردي، ويسهم في تطوير أداء هذه المؤسسات، واضطلاعها بما عهد إليها من مهمات بكفاءة واقتدار، ويجوز وضع أموال الوقف في حساب خاص تابع لوزارة المالية؛ بحيث لا يخلتط بحساب الوزارة العام، ويكون الإنفاق منه تحت نظر الدولة ومراقبتها وفق شرط الواقف.

أما فيما يتعلق بأموال وزارة الأوقاف وعوائدها من غير الأموال الوقفية، فيجوز إيداعها في خزينة الدولة، كما يجوز إلحاق أموال وزارة الأوقاف التي لا تتعلق بالوقف بخزينة الدولة، على غرار ما يجري في الوزارات الحكومية الأخرى.

المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-219