Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الفلسطينية
🇵🇸أحكام متنوعة

حكم النظام الاحتياطي الجزئي المصرفي، والرموز غير القابلة للاستبدال

❖ السؤال:

أ. ما حكم النظام الاحتياطي الجزئي المصرفي وتطبيقه في المصارف الإسلامية؟

ب. ما حكم تداول الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT)؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الفرع الأول: حكم النظام الاحتياطي الجزئي المصرفي وتطبيقه في المصارف الإسلامية

فلا بد بداية من التفريق بين مصطلحين، بينهما اختلاف جوهري من حيث الماهية، وارتباط وجهي بعلاقة السببية، وهما مصطلح "الاحتياطي الإلزامي" ومصطلح "النظام الاحتياطي الجزئي المصرفي".

أما الأول: وهو مصطلح "الاحتياطي الإلزامي" فهو عبارة عن إجراء تُلزم سلطة النقد بموجبه أن يتم اقتطاع نسبة من الودائع التي تودع في البنوك للحماية من مخاطر الإفلاس والأزمات.

ففي فلسطين تودع المصارف ما نسبته 9% من إجمالي ودائعها الشهرية، وعوائد استثمار هذا الاحتياطي تنتفع منها سلطة النقد، ولا يعود منها شيء على المصارف أو على أصحاب الودائع.

وبهذا يظهر أن الاحتياطي الإلزامي يخضع لقانون ناظم؛ ولذلك يطلق عليه أيضًا "الاحتياطي القانوني"؛ لأنه قانون لا يستطيع المصرف تغييره، ولا يمكن ترخيص المصرف أصلاً إلا على أساسه.

أما المصطلح الثاني: وهو "النظام الاحتياطي الجزئي المصرفي" فهو أحد أدوات السياسة النقدية التي يقوم عليها النظام المالي المعاصر؛ حيث يقوم المصرف بالاحتفاظ بجزء من الوديعة لديه على شكل احتياط، بينما يقوم بالتعامل بالجزء الآخر، ضمن ما أصبح يعرف بمصطلح "عملية خلق النقود".

وهذا يعني أن حساب الزبون يكون مدعمًا جزئيًا فقط بأموال حقيقية، ويحق للمصرف القيام بخلق نقود إضافية اعتمادًا على ودائع زبائنه، على أن تكون نسبة ودائع الزبائن إلى إجمالي النقود التي يتعامل بها المصرف متفقة مع متطلبات الاحتياطي القانوني. ويلاحظ أن النظام الاحتياطي الجزئي قد يجعل بعض المصارف قريبة من الإفلاس، لأنه في أي لحظة قد تكون المطلوبات النقدية من البنك أكبر مما لديه فعلاً في خزائنه؛ وذلك عندما يسحب عدد كبير من الزبائن ودائعهم في الوقت نفسه.

ولتخفيف مشاكل الإفلاس جاء دور التنظيم والإشراف من البنك المركزي، الذي يقوم بضمان ودائع المصارف، ويلعب دور الملجأ الأخير للإقراض.

وإذا نظرنا للعقد الذي يربط بين المصرف والمودع في النظام الاحتياطي الجزئي، نجده يتميز بعدم الوضوح؛ إذ يحق لكل الأطراف استخدام نفس الوديعة، إذ يمكن لمالك الوديعة أن يسحبها في أي وقت شاء، وفي الوقت نفسه يحق للمصرف استخدامها متى شاء قبل

سحبها.

وهذا يتعارض مع مبدأ تحديد من له الحق بالتصرف في محل العقد، حيث يقوم كل من المصرف والزبون بتقديم نفسه في تعاملاته مع الآخرين على أنه صاحب الوديعة، أي أن محل العقد يتضمن مالكين اثنين لنفس المال الذي يتم تداوله في السوق؛ وهذا تحايل وخداع يبطل العقد.

فالمشكلة الرئيسة في النظام الاحتياطي الجزئي تتمثل في خلق نقود من العدم، وبما أن هذه النقود لها قوة شرائية؛ فهذا يعني خلق ثروة من العدم، وهذا ما ترفضه مقاصد التشريع الإسلامي المتعلقة بالمعاملات المالية؛ لأن المعاملة الشرعية يجب أن يتم فيها تبادل قيمة مقابل قيمة، وأي مخالفة لهذا المبدأ تُدخل المعاملة في باب الاحتيال والغش والتلاعب المحرم، الذي ينتج عنه ضرر كبير في المجتمع بسبب التصرف في الشيء الذي لا يملكه المصرف فعلاً.

ومجلس الإفتاء الأعلى يرى فيما يتعلق بالمصطلح الأول، وهو "الاحتياطي الإلزامي"، أنه لا مانع منه شرعًا للضرورة؛ لأنه قانون ملزم، أما فيما يتعلق بالمصطلح الثاني، وهو "النظام الاحتياطي الجزئي المصرفي" فإنه يتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية ومقاصدها؛ لأن خلق النقود عبر هذا النظام يساهم بشكل خطير بالإضرار بالنظام الاقتصادي، والمساس بالقيم الأخلاقية والأحكام الشرعية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.

الفرع الثاني: حكم تداول الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT)

الرموز غير القابلة للاستبدال (تقنية NFT) هي نوع من الأصول المشفرة التي تسمح بتملك أصل رقمي، مثل صورة فنية أو فيديو أو غير ذلك، وهي بمثابة شهادة إثبات رقمية بأن العمل الفني نسخة أصلية، فمن خلال هذه التقنية يمكن التأكد من أن العمل الرقمي أصلي وليس منسوخًا، وهي مبنية على تقنية سلسلة الكتل التي تعمل من خلالها العملات الرقمية المشفرة مثل "بيتكوين".

والعمل الفني الرقمي الذي يُعرض للبيع بتقنية NFT يدخل ضمن ما يطلق عليه "دفتر الأستاذ العام الرقمي" من خلال سلاسل محاسبية متاحة للعامة، وتضم كافة تبادلات العملة المشفرة.

والأصل تحريم تداول هذه الرموز غير القابلة للاستبدال؛ لأن هذه التقنية أصل مشفر، ولا يمكن أن يتم تبادل الرموز إلا باستخدام العملات المشفرة التي لا يجوز تعدينها ولا التعامل فيها أصلاً، وذلك بناء على قرار مجلس الإفتاء الأعلى رقم 158/1 بتاريخ 2017/12/14 م، وكذلك فإن من يشتري عن طريق هذه التقنية، لا يُصبح المالك الحقيقي للأصل الرقمي الذي اشتراه؛ حيث تبقى حقوق النشر مع الفنان الذي قام بتصميم ذلك العمل، والذي بدوره يحصل على عمولة عندما يقوم المشتري ببيع ذلك الأصل مرة أخرى. ويرى مجلس الإفتاء الأعلى أنه لا يجوز تداول الرموز غير القابلة للاستبدال بهذه التقنية التي لا يمكن أن يتم تملك الأصل الرقمي من خلالها إلا عن طريق العملة المشفرة، كما أن الملكية عن طريق هذه المعاملة لا تصح شرعًا؛ لأن من قام بإنشاء المحتوى أول مرة، ثم باعه تبقى له نسبة من الربح الذي سيحصل عليه المشتري عندما يقوم ببيع العمل الفني الرقمي مرة أخرى، وهذا يتنافى مع أحكام عقد البيع الذي يترتب عليه نقل ملكية الأصل الذي تم بيعه من ملكية البائع إلى ملكية المشتري بشكل كلي.

والله تعاليقول الحق وهو يهدي السبيل.

المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-377