Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتاوى الفلسطينية
🇵🇸أحكام متنوعة

حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح؟ وهل تنفخ بعد أربعين يومًا أم بعد مائة وعشرين يومًا؟

❖ حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح؟ وهل تنفخ بعد أربعين يومًا أم بعد

مائة وعشرين يومًا؟

❖ السؤال: ما حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح؟ وهل تنفخ بعد أربعين يومًا أم بعد مائة وعشرين يومًا؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن الإجهاض من المسائل الشائكة التي تهتم بها المجتمعات الإنسانية كافة، لما لها من نتائج تمس البناء الأسري والمجتمعي، ولما تتركه من آثار على المرأة تحديدا؛ لأنها تتحمل تبعاته سلبا أو إيجابا.

ومعلوم أن الجنين -وهو في بطن أمه- يمر في مراحل أربع، حدد رسولُنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، المدةَ الزمنية التي تستغرقها كل مرحلة منها، فقال: «َُّإِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِهِ أَرْبَعِينَ يَوْما، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَة مِثْلَ ذَلِكَ، ثْ م يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضغَة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الروحَ» [صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته]، ويتضح من الحديث الشريف أن الجنين يتقلَّب في بطن أمه في مائة وعشرين يوما، بدءا من النطفة، فالعلقة، فالمضغة، وانتهاء بنفخ الروح التي يعدها الفقهاء الأساسَ في الحكم المتعلق بتحريم الإجهاض أو إباحته في الشريعة الإسلامية، وذلك لأن حكم الإجهاض قبل نفخ الروح في الجنين يختلف عن حكمه بعد النفخ؛ لأن الإجهاض بعد النفخ؛ أي بعد بلوغه مائة وعشرين يوما -وهي الفترة التي يبدأ فيها تخلقه، وتتحقق فيها إنسانيته- محرَّم باتفاق العلماء؛ لأن فيه مساسا بإنسانيته، واعتداء على حقه في الحياة، في حين تباينت أقوالهم، واختلفت رؤاهم في حكم الإجهاض قبل النفخ؛ كون المسألة موضع اجتهاد، ولم يرد فيها نص قطعي من الكتاب أو السنة، وذلك على قولين:

- ذهب بعض العلماء إلى جواز الإسقاط مطلقا بعذر أو بلا عذر، ما دام الجنين مضغة لم يتخلق، ولم تتحقَّق آدميته بعد، فإذا لم يكن آدميا، فلا حرمة له، ويباح إسقاطه.

- ورأى آخرون جواز الإسقاط لعذر أو لسبب شرعي، أو عند الضرورة والحاجة، ويحرَّم فيما عدا ذلك، وهو قول أكثر علماء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وكثير من علمائنا المعاصرين، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بقولهِتعالى: ﴿فَمَن اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلََ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَََّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]. ورد أصحاب هذا الرأي على القائلين بإباحة إسقاط الجنين قبل النفخ فيه بعذر او بلا عذر، كونه ماَّزال مضغة لم يتخلق، فقالوا: إن الجنين قبل نفخ الروح فيه، وإن لم يكن حيا، لَ هو مبتدأ خلق كلِ آدمي؛ إذ لو إسقاطه لصار آدميا، فيكون ما حصل له اعتداء بغير حق، وهو محرم.

وسبق لمجلس الإفتاء الأعلى أن ناقش بعض المسائل المتعلقة بالإجهاض، ومنها عدم جواز إسقاط الجنين، أو جواز إسقاطه، وأصدر فيها قرارين؛ قرار رقم: 66/2 بتاريخ 2008/1/6 م وقرار رقم: 102/2 بتاريخ 2013/2/7 م، ورجح المجلس ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، الذي يجيز إٍ سقاط الجنين قبل تخلقه في بطن أمه والنفخ فيه، على أن يكون الإسقاط لعذر شرعي مقبول، أو لضرورة أو مصلحةٍ راجحة، وضمن شروط وضوابط محددة، وهو ما يتسق مع مقاصد الشريعة الإسلامية

وأدلتها العامة، ومنها قول رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم: «ِ لََ ضَرَرَ وَلََ ضرَارَ» [سنن ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، وصححه الألباني].

فإذا انتفت الضرورة، ولم تكن ثمة مصلحة شرعية أو حاجة أو سبب وجيه لإسقاطه، فلا يباح الإسقاط سواء قبل النفخ أم بعده؛ لأن فيه إفسادا للنفس، ومخالفة لما تقتضيه مقاصد الشريعة من ضرورة الحفاظ على النفس البشرية، والإكثار من النسل. والله تعالى أعلى وأعلم.

وأما بالنسبة لوقت نفخ الروح؛ فقد أولى الإسلام الحنيف عنايته البالغة للجنين في مراحل تكوينه كافة، وقد ثبت في السنة المطهرة أن الله تعالى وكَّلَ مَلَكا يراقب مراحل تطور الجنين من (نطفة إلى علقة إلى مضغة)، ومعلوم أن الروح من أمر الله تعالى، ولَ يعلم ماهيتها، وكيفية اتصالها بالجنين أحد سواه، قال تعالى:ْ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الروحُ مِنْ أَمْرِ رَبِي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلََّ قَلِيلا﴾ [الإسراء: 85]، ولهذا تعد مسألة نفخ الروح في الجنين وتوقيتها من المسائل المهمة ، لَرتباطها بمسألة الأحكام الخاصة بإسقاط الجنين قبل النفخ فيه أو بعده، وهي بالتالي من المسائل الشائكة التي اختلف حولها العلماء قديما وحديثٌّا، كل حسب تفسيره وفهمه لآيات الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية الشريفة، وتباينت آراؤهم فيها على قولين رئيسين:

- فقد ذهب فريق من العلماء المعاصرين -خاصة- إلى أن الروح تُنفخُ في الجنين بعد تخليقه وتكوينه في الأربعين يوما ِ الأولى من وجوده، واستدلوا على رأيهم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَْبْصَارَ وَالأَْفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: 9]، ووجه الد لَلة في الآية الكريمة أن فيها إشارة إلى أن الروح تُنفخُ بعد التسوية والتعديل، اللذين يتمان في الأربعين يوما الأولى من حياة الجنين، واستندوا كذلك لأحاديث تشير وتلمح إلى ذلك، أهمها الحديث الذي رواه حذيفة بن أَسيد مرفوعا:َ «إِذَا مَرَّ بِالنطْفَّةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَاَ وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُم َ قَّالَ: يَا رَبِ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَ قُولُ: يَا رَبِ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ رَبكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُم ْ يَقُولُ: يَا رَبِ رِزْقُهُ، فَيَقْضِي رَبكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلاَ يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلََ يَنقُصُ» [صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته].

- وذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة، إضافة إلى الظاهرية، إلى أن الروح تُنفخُ في الجنين بعد مائة وعشرين يوما، أو بعد الأربعين الثالثة، واستدلوا على رأيهم بالحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، الذي يقول فيه النبي، صلى الله عليه وسلم: «ََإِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِهِ أَرْبعِينَ يَوْما، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِك َ مُضْغَةْمِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الروحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأٌجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَو سَعِيد» [صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته]، وحملوا عليه حديث حذيفة بن أسيد الذي استدل به أصحاب القول الأول، ووجه الَستدلَل في حديث ابن مسعود؛ أن مراحل الخلق التي أشار إليها الحديث ثلاثة: (نطفة، وعلقة، ومضغة)، ومدة كل منها أربعون يوما، فيكون نفخ الروح بعد تمام المرحلة الثالثة؛ أي بعد مائة وعشرين يوملَا ، وهذا يعني أن الجنين في هذه الفترة بدون حياة أو حركة، وإنما هو حي من أول يوم يتم فيه التلقيح، فهناك فرق بين الروح والحياة، كما أن هناك فرقا بين حركة الجنين في فترة ما قبل النفخ، وبين حركته في فترة ما بعد النفخ، فحركته قبل النفخ هي في حقيقتها

حركة لَ إرادية ناتجة عن نمو الجنين واغتذائه كالنبات، وقد نقل الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، اتفاق العلماء على أن حديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل "على أن نفخ الروح لَ يكون إ لَ بعد أربعة أشهر" [ابن حجر، فتح الباري، 481/11 ]. وبناء عليه فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأصح والأصوب، والأولى بالقبول والإتباع، نظرا لما عليه الدليل الصريح في حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، حيث فيه نص واضح على أن الروح تنفخ في الجنين بعد الَنتهاء من المائة والعشرين يوما. وأما الدليل الآخر الذي استدل به من قال بنفخ الروح في الجنين بعد الأربعين يوما، وهو حديث حذيفة بن أسيد، فليس فيه -البتة- ما يدل على أن الجنين تنفخ فيه الروح بعد الأربعين يوما. وبالتالي هو رأي مرجوح، ولَ حجة فيه.

والله تعاليقول الحق وهو يهدي السبيل.

المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-427