حكم زراعة الأشجار في المقبرة، سواء للزينة أم للانتفاع من ثمرها
❖ السؤال: ما حكم زراعة الأشجار في المقبرة، سواء للزينة أم للانتفاع من ثمرها؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن زراعة الأشجار في المقابر تختلف أحكامُها تبعًا للنية الباعثة على الزراعة من جهة، وباعتبار المآل الناتج عن الزراعة من جهة أخرى، وبيان ذلك على النحو الآتي:
1- إن كانت الزراعة في المقبرة بغرض الزينة والتجميل، فلا تجوز؛ لأنها تخرج المقابر عن الغرض الذي شُرعت زيارتُها من أجله، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: « ...ْزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِرُ المَوْتَ» [ صحيح مسلم، كتاب ِ الجنائز، بَابُ اسْتِئْذَانِ النَّبِي،َ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،ُِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أمِه]، وفي رواية: « فَإِنَّهَا تُذَكِرُكُمُ الآْخِرَةَ» [ سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، بَابُ مَاَ جَاءَ فِيِ زِيارَةِ الْقُبُور، وصححه الألباني].
وعند تزيين المقابر تصير محلاً للمباهاة، ولا تعد موضع اعتبار للأحياء، وفي ذلك تشبه بعمل غير المسلمين الذين يجعل بعضهم قبورهم أشبه بالحدائق، فلا يجوز أن تُزرع المقابر للزينة؛ لأنها تُزار للعبرة والعظة وتذكر الآخرة، لا للسياحة والترفه.
2- إن كان مآل الزراعة إيذاء الميت، فلا يجوز؛ لأن إيذاء الميت حرام، وذلك لما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة، رضي الله عنها، بإسناد صحيح على شرط مسلم، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: « كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِتِ، كَكَسْرِهِ حَيًّا» [ مسند أحمد، مسند النساء، مُسْنَدُ الصِدِيقَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ الصِدِيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قال الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الصحيح، غير عبد الرحمن بن أبي الرجال، فمن رجال أصحاب السنن، وهو صدوق].
فلا يجوز أن تزرع الأشجار فوق القبور أو بجوارها مباشرة، خشية أن تتسبب جذورُها أو عروقُها في إيذاء الميت، وما يؤدي إلى مآل حرام فهو حرام، سدًا للذريعة.
3- إن قُصد بالزراعة التعبد فلا يجوز ذلك؛ لأنها على هذا النحو تكون بدعة، وكذلك لا يجوز أن يَعتقد الزارعُ أن هذا من السنة؛ بتوهم القياس على وضع النبي، صلى الله عليه وسلم،َ شقي جريدة النخل على القبرين، وقوله عليه الصلاة والسلام:ْ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّف عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيبَسَا» [صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الجريد على القبر]؛ لأن هنالك فرقًا كبيرًا بين وضع الجريد على القبر، وغرس الشجر بجانبه، ولا يصح القياس مع الفارق، ثم إن هذه واقعة عين علتها مجهولة، ولم يفعلها النبي، صلى الله عليه وسلم، مع غير هذين القبرين؛ فلا يصح القياس من غير التوصل للعلة، بمسلك من مسالكها المعتبرة شرعًا.
4- إذا كان مآل الزراعة هو التضييق على المشيعين والقائمين بدفن الميت، فلا يجوز ذلك؛ للقواعد الفقهية الدالة على وجوب إزالة الضرر، فلا ضرر ولا ضرار.
5- إذا كانت الزراعة لغرض نفع الناس بالظل، وكانت في الممرات والأماكن التي لا توجد فيها قبور؛ فالأصل فيها الإباحة، في حال انتفاء كل ما ورد في النقاط السابقة التي تَبَيَّن فيها عدمُ الجواز.
6- ذهب جمهور العلماء إلى جواز الانتفاع من ثمار الأشجار المزروعة في المقابر، خلافًا للحنابلة الذين قالوا بكراهة ذلك؛ لمظنة اختلاطها بالنجاسة من صديد الموتى ودمائهم.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن جثث الموتى استحالت ترابًا، حيث تبدلت أوصافها بمضي الزمان، وتحولت إلى طاهر. 7- إذا كانت زراعة المثمر من الشجر في المقبرة سببًا في خلاف الناس من أحق بالأكل منها؛ فهنا تمنع زراعة المثمر سدًا لذريعة اختلاف الناس، على أن الأصل في أرض المقبرة أنها أرض وقفية، لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن الأوقاف، باعتبارها الجهة المسؤولة عن الوقف.
ويرى مجلس الإفتاء الأعلى أنه إذا قُصد بزراعة الأشجار أن يستظل بها من جاء إلى المقبرة لدفن الأموات، فتباح بالشروط الآتية: 1- أن لا تكون الزراعة بغرض الزينة والتجميل، حتى لا تصبح المقبرة محلاً للمباهاة والترفه.
2- أن لا تؤثر جذور الأشجار وعروقها على القبر، فيحرم أن يكون مآلُها إيذاءَ الميت.
3- أن لا يُقصد بالزراعة التعبد، أو القياسُ على وضع الجريد على القبر، فبينهما فارق.
4- أن لا تسبب زراعة الأشجار ضيقًا في المقابر، يضر بالمشيعين والقائمين بدفن الميت.
5- أن لا تكون زراعة المثمر من الشجر في المقبرة سببًا لخلاف الناس، حول من أحق بالأكل منها؛ فتمنع إذا كان مآلها اختلاف الناس وتنازعهم.
6- الأصل في أرض المقبرة أنها أرض وقفية، لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن الأوقاف، باعتبارها الجهة المسؤولة عن الوقف.
والله تعاليقول الحق وهو يهدي السبيل.
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-431
