حكم إعفاء اللحية وحلقها أو تقصيرها
❖ السؤال: ما حكم إعفاء اللحية وحلقها أو تقصيرها؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،
خلق الله تعالى الزوجين الذكر والأنثى وجعل لكل منهما ما يخصه ويراعي طبيعة خلقه، ومما ميز الله به الرجال نبات شعر اللحية والشارب، وإعفاء اللحية وحلقها أو تقصيرها مسألة اختلف فيها الفقهاء على أقوال:
الأول: ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية في قول، والحنابلة، إلى وجوب إعفاء اللحية، وحرمة حلقها، واعتبر حلقها من المثلة وتغيير لخلق الله تعالى، مستدلين بما ورد عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «َِ خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَ فَ رُوا اللِحَى، وأَحْفُوا الشَّوَارِب» [ صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب تقليم الأظافر]، وفي رواية أخرى : «ْ أَ نهَ كُوا الشَّوَارِب، وَأَعْفُوا اللِحَى» [ صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب إعفاء اللحى]، ونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب؛ لأن حقيقة الاعفاء الترك، وترك التصرف باللحية يستلزم تكثيرها [ فتح الباري 496 /1 ]، وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» [ صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة] . وقالوا إن الامر بهذه النصوص يفيد الوجوب. ومنهم من ذهب إلى أنه إذا زاد طولها عن القبضة يجوز أخذ الزائد. مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» [ سنن أبي داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في إصلاح الشعر، وقال الألباني: حسن صحيح]، وفعل ابن عمر، رضي الله عنهما، حيثَكان: «إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عُ لَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَه» [ صحيح البخاري كتاب اللباس، باب تقليم الأظافر].
الثاني: المعتمد عند الشافعية أن توفير اللحية سنة مستحبة، ذلك أن النصوص التي جاءت بالحث على إعفائها جاءت معللة بمخالفة غير المسلمين من المشركين والمجوس، ومخالفتهم ليست على الوجوب، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم :َ «غَيِرُوا الشَّيْبَ وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ» [ سنن الترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في الخضاب، وصححه الألباني]، وتغيير الشيب ليس واجباً؛ فكذا إعفاء اللحية. الثالث: ذهب الشيخ أبو زهرة والشيخ شلتوت ودار الإفتاء المصرية، إلى أن إعفاء اللحية من سنن العادات، وأن إعفاء النبي، صلى الله عليه وسلم، للحيته إنما فعل ذلك بطبيعته البشرية، وبمقتضى العادات الجارية عند الرجال في ذلك العصر في بلاد العرب، وهي كلبسه وأكله، فمن أخذ به فله الأجر، ومن لم يأخذ به فليس عليه إثم.
الموازنة والترجيح: بعد النظر في آراء الفقهاء والعلماء فإن إعفاء اللحية سنة مستحبة وليسً واجبا، وذلك للعلة التي ذكرتها الأحاديث التي جاءت بالأمر بإعفاء اللحية، وهي مخالفة المشركين والمجوس، ومخالفتهم محمولة على الندب لا على الوجوب فيما يتعلق بأمور العادات والأعراف العامة التي ليست من صلب عقائدهم أو شرائعهم، كالملبس والمأكل وغيرهما من الأمور التي تتعلق بهيئة الإنسان ومظهره، خاصة أن كثيراً منهم هذه الأيام يعفي لحيته، ولو أخذنا بمفهوم المخالفة لهم لكنا أمرنا بحلق اللحى، وأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم من إعفائه للحيته يعود لطبيعته البشرية، ولمقتضى العادات الجارية في بلاد العرب، فإعفاء اللحى سنة مستحبة، يؤجر من يقوم بها، ولا إثم على من تركها.
ويرى مجلس الإفتاء الأعلى أن إعفاء اللحية سنة مستحبة، وأن الأمر الواردُفي إعفائها يحمل على الندب لا على الوجوب، وإنها من سنن الفطرة، والعناية بها وتهذيبها مظهر من مظاهر جمال الهيئة وكمال الوقار والاحترام.
والله تعاليقول الحق وهو يهدي السبيل.
المصدر: مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين· رقم مجلس-432
