التحذير من ظاهرة التكفير
السؤال: التحذير من ظاهرة التكفير
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فيقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز :" وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً "النساء94
من أخطر الظواهر التي تواجه الأمة الإسلامية في هذه الأيام "ظاهرة التكفير" التي أخذت حيزاً في ذهن وفكر كثيرين من أبناء المسلمين الذين يحسبون انهم ملكوا الحقيقة الدينية واصبحت حكراً عليهم يطلقون وصف الكفر على من يخالفهم الرأي من المسلمين ولا يقول بقولهم.
وقد تجاهل القائلون بتكفير المسلمين أن من نطق بشعار الاسلام وهو الإقرار بالشهادتين يصبح مسلماً معصوم الدم والمال والعرض . لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ"إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر " رواه مسلم ، حديث رقم 32 .
وفي حديث جبريل عليه السلام حينما سأل عن الاسلام ، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم :" الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " رواه مسلم حديث رقم 9 .
وفي حديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" رواه أحمد في مسنده ، حديث رقم 5644 .
ولم يقبل رسول صلى الله عليه وسلم الله اعتذار الحب ابن الحب أسامة بن زيد –رضي الله عنهما – حينما قتل الجهني بعدما قال " لا اله الا الله -يقول أسامة – رضي الله عنه – "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة قال فصبحنا القوم فهزمناهم قال ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم قال فلما غشيناه قال لا إله إلا الله قال فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال فقال لي يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا قال أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ". رواه البخاري ، حديث رقم 6364 .
ان هذه النصوص من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن من شهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله هو مسلم لا يجوز تكفيره ويحرم الاعتداء عليه باستباحة دمه أو ماله أو عرضه اذ يصبح معصوم الدم والمال والعرض بنطقه الشهادتين ، وأن باطنه متروك إلى الله سبحانه وتعالى الذي يعلم السر و اخفى ، وأن عقيده أهل السنة والجماعة التي مات عليها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم من التابعين والسلف الصالح واجمع عليها علماء الأمة "أننا لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب . لقوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48
وبناء على ما تقدم ، فإن ظاهرة التكفير التي يروج لها بعض المنتسبين للاسلام هي من أخطر الظواهر التي تواجه المجتمعات الاسلامية باسم الاسلام ، ويجب على جميع علماء المسلمين وأحزابهم وجماعاتهم أن يحاربوها ويقاوموها ويقضوا عليها في مهدها حتى لا تستغل في ظروف تشهد فيها الامة حرباً ثقافية واستعمارية وانقسامات عرقية ومذهبية وطائفية إذ أن ظاهرة التكفير هي الأخطر من هذه الظواهر جميعها ومن شانها اذا انتشرت في المجتمعات الاسلامية أن تثير فتناً عمياء تقضي على كل محاولات توحيد الأمة الإسلامية وجمعها على كلمة الاسلام والإيمان .
والله يقول الحق وهو الهادي الى سواء السبيل
المفتي: الشيخ محمد أحمد حسين
المصدر: دار الإفتاء الفلسطينية· رقم 19
